محمد متولي الشعراوي

9514

تفسير الشعراوي

أي : على فَرْض أنْ قال أحدهم هذا القول ، إذن : هذا كلام لم يحدث ، ولا يمكن أنْ يُقال منهم { فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين } [ الأنبياء : 29 ] لماذا ؟ لأنهم أخذوا الظُّلم في أعلى مراتبة وعنُفوانه وطغيانه ، ظلم في مسألة القمة { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [ لقمان : 13 ] . لذلك يُهدّدهم ، مع أنهم ملائكة ومكرمون ، لكن إنْ بدر من أحدهم هذا القول فجزاؤه جهنم ، وفي هذا اطمئنان للخَلْق أجمعين . بعد ذلك أراد الحق - سبحانه وتعالى - أنْ يُدلِّل على هذه الوحدانية التي أكَّدها في كلامه السابق ، والوحدانية في طَيِّها الأحدية ، لأن هناك فَرْقاً بينهما ، وليسا مترادفين كما يظن البعض ، فواحد وأحد وَصفْان لله عَزَّ وَجَلَّ { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] وقال : { الواحد القهار } [ الرعد : 16 ] . فالواحد أي : الفرد الذي لا يُوجد له نظير ، وهذا الواحد في ذاته أحد أي : ليس له أجزاء ، فالواحدية تمنع أنْ يُوجد فَرْد مثله ، والأحدية تمنع أن يكون في ذاته مُكوّناً من أجزاء ؛ لأنه سبحانه لو كوّن من أجزاء لصار كل جزء محتاجاً في وجوده إلى الجزء الآخر ، فلا احتياج له في وجوده ليكوِّن كله ، إذنْ : فلا هو كليّ ، ولا هو جزئي . فاختار سبحانه للتدليل آيات الكون الموجودة والمشهودة التي لا يمكن أنْ ينكرها أحد ؛ لأنها آيات مُرتّبة واضحة ونافعة في الوقت نفسه ، فقد يكون المرئي واضحاً لكن لا حاجة لك فيه - فالإنسان يشعر بمنفعة الشمس لو غابت عنه ، ويشعر بمنفعة المطر إن امتنعت السماء عن المطر . . إلخ .